تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
138
نظرية المعرفة
وقد كان المترقب من الحسيين الذين يحصرون أدوات المعرفة بالحسّ أن يعطوا المعرفة الحسيّة سمة المعرفة اليقينية الصحيحة ، ولكنهم ذهبوا إلى خلافه ، وحصروا قيمتها في الإعانة على أُمور الحياة ومشاكلها ، لا أكثر ، كما عرفته في فلسفتي « ديكارت » و « لوك » . فكل ما يؤدّيه حسّ الإنسان لا يعدو عن كونه يدفع عنه ألم الجوع ، والعطش ، والبرد القارس ، والحرارة اللافحة . . ويساعده على تمييز النافع من الضار ، والمصالح من المفاسد . وقد وقفت على فساد هذه النظرية وأنّها تنتهي إلى الشك في كثير من المجالات . الأمر الثالث : هل الحسّ هو الأداة الوحيدة للإدراك ؟ إنّ الحسيين وفي مقدمهم « جان لوك » « 1 » حاولوا إرجاع جميع التصورات والأفكار إلى الحسّ ، وقد شاعت هذه النظرية بعده بين فلاسفة أوروبا وقضت إلى حدّ ما على نظرية الأفكار الفطرية الّتي كان يقول بها « ديكارت » « 2 » . وحاصل هذه النظرية أنّ ذهن الإنسان حين يولد يكون خالياً من كل معرفة ، ثمّ تبدأ صور الأشياء المحسوسة بالانتقاش فيه من خلال ما يرد إليه عن
--> ( 1 ) . ekcoL nhoJ . ( 2 ) . إنّ حصر مناشئ العلم بالحسّ ليس فكرة جديدة ظهرت بين الأوروبيين ، بل لها جذور في التاريخ . فإنَّ « السُّمْنِيّة » من حكماء الهند والصين ، زعموا أنّه لا يُعلم شيء إلّا من طريق الحواس الخمس ، وأبطلوا العلوم النظرية . ولأجل ذلك شطبوا على المذاهب كلّها . قال البغدادي ( المتوفّى 429 ه ) : « ويلزمهم على هذا القول إبطال مذهبهم ، إذ يقال لهم : بما ذا عرفتم صحّة مذهبكم . فإن قالوا : بالنظر والاستدلال ، لزمهم إثبات النظر والاستدلال طريقاً إلى العلم بصحة شيءٍ ما ، وهذا خلاف قولهم . وإن قالوا : بالحسّ ، قيل لهم : إنّ العلم بالحسّ يشترك في معرفته أهل الحواس السليمة ، فما بالنا لا نعرف صحة قولكم بحواسنا . فإن قالوا : إنّكم قد عرفتم صحة قولنا ، بالحسّ ، ولكنكم جحدتم ما عرفتموه ، لم ينفصلوا ممن عكس عليهم هذه الدعوى وقال لهم : بل أنتم عارفون بصحة قول مخالفيكم وفساد قولكم بالضرورة الحسيّة ، ولكنكم جحدتم ما عرفتموه حسّاً » . ( لاحظ : أُصول الدين : 10 - 11 ) . وفي هذه المناسبة نذكر أنّهم اختلفوا في الفاضل من العلوم الحسية والنظرية ، فقدّم أبو العباس القلانسي العلوم النظرية على الحسيّة ، وقدّم أبو الحسن الأشعري العلوم الحسيّة على النظرية لأنّها أُصول لها . ( المصدر السابق : 10 ) .